قراءة في كتاب إدموند دوتي،السحر والدين في شمال إفريقيا،ترجمة الأستاذ فريد الزاهي
اهتمت الكتابات الكولونيالية بالدراسات
الأنثروبولوجية حول المغرب،التي أنتجت أباحثا في إطار استكشاف المغرب لفائدة
المصالح الاستعمارية الفرنسية في بدايات القرن الماضي، وسارت نحو مقاربة
أنثروبولوجية وسوسيولوجية للظواهر والطقوس داخل المجتمع المغربي، ورصدت جانبا
مخفيا من البنيات الاجتماعية والذهنية التقليدية، واندرجت هذه الكتابات ضمن ما
يسمى بالسوسولوجيا الأهلية، ويعتبر إدموند دوطي(Edmond Doutté ) من المستشرقين الفرنسيين المتخصصين
في دراسة قضايا الحضارة العربية الإسلامية والأمازيغية بشمال إفريقيا، واهتم
بمقاربة الجانب الإثنوغرافي لمدن وقبائل المغرب منذ أواخر القرن 19م، وغطت أعماله
ومؤلفاته جل قبائل ومناطق المغرب، حيث زار جل المدن والمداشر والقبائل ضمن رحلاته
الطويلة، لاستكشاف جوانبها السوسيولوجية والإثنوغرافية، وأنجز دراسات تشكل اليوم
مرجعا ومدخلا نظريا ومنهجيا لفهم الظواهر الاجتماعية والطقوس المرتبطة بها في
المجتمع المغربي.
صدرت سنة 2019م ترجمة الأستاذ فريد الزاهي لكتاب إدموند
دوتي،السحر والدين في شمال إفريقيا، من منشورات المعهد الجامعي للبحث العلمي،
والأستاذ فريد الزاهي هو كاتب ومترجم وناقد، ويتوزع إنتاجه الأكاديمي بين النقد
والترجمة، وصدرت له مؤلفات وترجمة للعديد من الدراسات والأبحاث، التي انصبت حول
قضايا الأدب والرواية والفلسفة وعلم النفس، وتعتبر ترجمته لكتاب إدموند دوطي من
بين الإسهامات المهمة في حقل الدراسات السوسويولوجية والإثنواغرافية للمجتمع
المغربي، ويقع هذا الكتاب في 331 صفحة، واستهل الكتاب بمقدمة للأستاذ فريد الزاهي،
وأشار فيها أهمية هذا الكتاب،الذي يدخل ضمن نطاق الكتابات الكولونيالية المهتمة
برصد سوسيولوجيا المجتمعات القبلية بشمال إفريقيا قبل الحماية،واعتبره المترجم درس
غير مشهود في أنثروبولوجيا الإسلام،مبرزا إعجاب رواد الفكر الاستعماري بهذا الكتاب
المهم كجاك بيرك وأخرون. استهل إدموند دوطي كتابه بمقدمة عامة أشار فيها إلى تحديد
مفهوم الحضارة وسياقاتها التاريخية، واعتبر أن الحضارة الإسلامية هي أحد الملامح
الأساسية للإسلام،وتطبع بطابعها الخاص كل المظاهر الاجتماعية،وأبرز دوطي علاقة
الظواهر الاجتماعية ببعض الممارسات والمعتقدات المترسخة في المجتمع،كالشعوذة مثلا،
ووقف على مسألة العقيدة الإسلامية واللغة العربية والشعر،وفصل في معطيات تهم
علاقاتها مع العلم والعقلنة في العصر الحديث، وتحدث كذلك عن النظام الاجتماعي بالبوادي
النائية،حيث ارتبطت القبائل بالأولياء الصالحين، وأشار إلى الارتباط الروحي بين
الولاء والأسواق والمواسم،كما فصل في مسألة كون الإسلام لم يعدم الشعائر
والمعتقدات المترسخة لدى شعوب شمال إفريقيا،واستدل بالاحتفالات المواكبة لعيد
عاشوراء،وهي احتفالات تعود جذورها إلى رواسب حية من شعائر قديمة زراعية.وقد حدد
إدموند دوطي مجال دراسته للموضوع بالبلدان المغاربية من أجل تفسير سوسيولوجي
وأنثروبولوجي للظواهر الدينية.
قسم إدموند دوطي كتابه إلى اثنى عشر فصلا محوريا،وجاء الفصل
الأول معنونا بالسحرة والكهنة والعرافون، وحدد فيه مفهوم الكاهن والعراف والساحر
من خلال المرجعيات التاريخية القديمة،وأعطى نماذج عند قدماء الأمازيغ والعرب قبل
الإسلام،وربط ظاهرة السحر بالمرأة، حيث استعرض نماذج من الكاهنات بشمال إفريقيا،
كما هو الحال قبائل الأوراس في الربع الأخير من القرن الأول الهجري،إذ ارتبطت
بالكاهنة ملكة الأمازيغ،فالنساء هن أكثر الممارسات للسحر حسب دوطي،فهي تجد نفسها
مقصية من الدين وتعود تحت غطاء السحر للتعويض عن هذا النقص،مستشهدا على ما أوردته
المصادر التاريخية كالحسن الوزان،الذي ذكر مختلف أنواع السحرة والعرافين
والمشعوذين بفاس في القرن الحادي عشر،فالمرأة الساحرة تكون في الغالب امرأة مجذوبة.
وجاء الفصل الثاني معنونا بالشعائر السحرية،وأبرز المؤلف أهم
الطقوس السحرية الممارسة بشمال إفريقيا،فمداواة قرحة المعدة مثلا في منطقة القبائل
بالجزائر يخصص لها طقس خاص، ويؤخد دم المريض وقطع من أظافره وشعره، وتجمع في رزمة
ثوب وتثبت في مجرى النهر،ففي اعتقاد الناس سوف يطهر الداء في مجرى النهر،فأبرز أن
هذه الإفرازات والنفايات التي يلفظها الجسد،لها طابع سحري لدى البدائي، وهو ما
يجعل الناس يتفادون ترك بقايا الطعام وراءهم،لأنها تمكن الساحر من فاعلية السحر الشرير،وهي
إحدى شروط السحر التأثيري حسب إدموند دوطي،وكلها تستعمل في أساليب السحر التي توظف
إسم الضحية وصورته في أعمال السحر(علاج سلو العشق-زرع الشقاق بين الزوجين-عزيمة
استحضار الجن...)،واعتبر أن المراسيم السحرية تخضع لطقوس معقدة تسحتضر الجن للقيام
بالمطلوب بتوظيف كتب السحر المهتمة بالسحر الأبيض التأثيري والسحر الشيطاني.
وفصل المؤلف في الأدوات والمواد المستعملة في السحر،مشيرا إلى
توظيف الديك في عادات السحر،لأنه يعتبر في نظر المتوحشين مالكا لمعارف عجيبة،وهو
ما جعل البورغواطيين يحرمون ذبح الديكة،لأنه يعلن عن وقت الصلاة،كما يوظف السحرة
مخ الحيوانات في شمال إفريقيا،لأن له فعالية في ايقاد شعلة الحب في اعتقادهم،ويوظف
كذلك مخ البغل في أعمال سحرية بالغة الخطورة.
خصص المؤلف الفصل الثالث لمسألة التعازيم والشعائر الشفوية،فقد
أبرز المؤلف تمظهرات الطقس السحري الشفوي أو التعزيم،الذي يبتغي قول الفعل الذي
يرغب المرء في إنتاجه، وتكون غالبا مكتوبة،ليتم بلع الورقة التي كتبت عليها
العزيمة،واستدعاء القوى الغيبية التي تشكل الطابع الجوهري للعزائم حسب إدموند دوطي.
تشكل الطلاسم أو الشعائر المصورة إحدى لبنات الثقافة السحرية
بشمال إفريقيا،ذلك كان موضوع الفصل الرابع من الكتاب،وأرجع المؤلف أسباب الاعتماد
عليها في الحضارات القديمة،خصوصا في مداخل البيوت والمعابد الآشورية،وفكك إدموند
دوطي رمزية هذه الطلاسم في ممارسة السحر، والمعتمدة على تمثل صورة الحيوان حتى لا
تتكرر هجماتها، وميز بين الطلاسم المكتوبة والمصورة في المعتقدات السحرية،حيث تكتب
عليها عبارات سحرية على شكل مخمس وسداسي الزوايا، مبرزا دلالة الأرقام في تركيبة
السحر خصوصا الرقم 7 عند السحرة بشمال إفريقيا.
خصص الفصل الخامس، لإبراز الغايات العملية للسحر،وذلك لمحاولة
فهم بناء نظرية السحر وتوضيح علاقاتها بالدين، وأشار المؤلف إلى أن الغاية تكمن في
علاج الأمراض، وتستعمل من خلاله عملية تسويط الجن لإجباره عن الخروج في الجسد
ومنعه من تملك الشخص المصروع، وأعطى نماذج للعلاجات من قبيل:(علاج سلو العشق من
قلب الرجل-علاج الغيرة-الشفاء من وجع الرأس وصداعه-حفظ الجنين الذي يسقط في بطن
أمه-الحفاظ في الطريق من اللصوص والسباع.... )، وتستعمل لتحقيق هذه الغايات طلاسم
تكتب عليها عبارات وعلامات مبهمة،وذلك للزيادة في المنتوجات الزراعية كالبركة في
القمح والتمر،بالإضافة إلى الدخول على الملوك والحكام وتجليب الزبون،وتعدت قدرات
السحر حسب إدموند دوطي في منح الثراء السريع والبحث عن الكنوز من خلال تربيع الديك
للعثور على مخابئ الكنوز.
وأما الفصل السادس،فكان موضوعه حول علاقة السحر بالعلم والدين،
وميز المؤلف في مظاهر الاختلاف بين السحر الشيطاني والسحر التعاطفي، وقارن المؤلف
بين العديد من النظريات التي فصلت في هذه المفاهيم،كرواد المدرسة الإنجليزية
وهوبوت وماوس،اللذين أقروا ببدائية فعل السحر،فالإنسان البدائي حسب المؤلف ليس له
القدرة على استنباط استدلال معين،لأنه ينساق وراء نزواته بإيمانه بما هو حسي،
وتولد لديه اختيارات وتمثلات تخضع للرغبة في بلوغ فعل السحر،فالساحر يستعرض إرادته
خارج ذاته ويسعى إلى تحويلها إلى قوة مادية فاعلة،واستشهد إدموند دوطي برمزية
ودلالة رسم العين في الثقافة السحرية بشمال إفريقيا،وأشار إلى العلاج السحري
المستعمل في درء العين باستعمال الحجاب لحماية النفس،وتعطيل التأثير الشرير
للعين،وفكك دلالة رسوم العين في تمثلات ساكنة شمال إفريقيا،لأنها موجهة من الحماية
للإصابة بالعين،وتتجلى مظاهره في رسم رأس الغول واستعمال الأبخرة والأحجار الكريمة
ووضع أنياب الخنازير والقرون وجماجم الدواب في مداخل البيوت،بالإضافة إلى رسم اليد
المفتوحة لوظيفتها الرمزية في درء العين الشريرة في المعتقدات السحرية بشمال
إفريقيا.
أما الفصل السابع،فكان موضوعه حول العرافة الاستقرائية،واستعرض
المؤلف نماذج تتعلق بنظرة الناس لبعض الظواهر كمصادفة الغراب باعتباره فأل
نحس،وسماع صوت البوم والحمار الذي يحيل على نذير شؤم، وهي تمثلات تجسد البعد
التنبؤي للظاهرة السحرية لدى مجتمعات شمال إفريقيا، حيث يكتب السحرة علامات ورموز
سحرية في بيضة من أجل الاستشفاء،فالعرافة في طقوس السحر حسب إدموند دوطي تسعى
للتكهن بحدث من الحاضر أو الماضي.وأعطى أمثلة متعددة،كالعرافة بالصاعقة والنيازك،مشيرا
إلى أن هناك عادة التنبؤ لدى الزناتيين بشمال إفريقيا، حيث يتفحصون لوح كتف
الأضحيات للتنبؤ بالمستقبل الفلاحي،وأدرجه المؤلف ضمن ما يسمى بعلم الأكتاف،كا
توظف طرق أخرى مثل استنطاق الخط بالأسهم واستعمال خط الرمل/ضرب الرمل،بالإضافة إلى
العرافة بالأعداد، وتدخل في مجملها ضمن ما يسمى بالعرافة الاستقرائية،التي يتأمل
فيها العراف بظواهر موضوعية.
أما الفصل الثامن،فقد خصص لموضوع العرافة الحدسية،وربطها المؤلف
بطقوس محاربة ظاهرة العنوسة في صفوف الفتيات، ويتم اللجوء إلى طقس المشط، حيث يتم
وضع ثياب رجل ثقي، ويحرق أمامه وقرب الفتاة،وتقام هذه المراسيم يوم الجمعة وتصعد
الفتاة لتؤذن في الصومعة، وفي اليوم الموالي تذهب إلى العيون والحمامات
للإغتسال،وفسر إدموند دوطي دلالة المرايا السحرية المرتبطة بالطبيعة الأنيمية
للصورة، ويعتمد عليها في الطقوس السحرية للعرافة بالماء،إذ كان العرافون بمدينة
فاس يرون في أحواضهم المائية ،كما كتب عنها الحسن الوزان خلال القرن 15م، كما عاين
إدموند دوطي عرافات أمازيغيات في جنوب الصويرة،يضعن بعض المستحثات ويزعمن أنهن
يجعلنها تتكلم،وهن يزعمن أيضا أنها تكبر وتتوالد.
وفي سياق أخر،تطرق المؤلف للرؤى والأحلام، وميز بين الرؤى
الفاسدة والرؤى الصادقة،مبرزا تفسير الرؤيا في الثقافة الإسلامية، وربط تفسيرها
بضرورة أن يكون المعبر حافظا للقرآن والأحاديث. تحتل الكهوف حسب المؤلف مكانة في
الممارسة السحرية بشمال إفريقيا،وزار العديد منها بالمغرب والجزائر،واعتبرها مجالا
مسكونا بالأرواح التي يزورها الناس لتلقي البشارة،ككهوف"للا تاكنويت"
وسيدي شمهروش،ووجدت منذ عصور سحيقة ما قبل التاريخ بشمال إفريقيا، وتتجسد في النوم
بالكهوف لانتظار أجوبة غيبية وسماها إدموند دوطي بالرخم.
تطرق إدموند دوتي في الفصل التاسع لموضوع القوى المقدسة
وتواترها، واستنتج أن الظاهرة السحرية مسببة من قوة غير مرئية، وتثير الرهبة
والخوف، وأعطى المؤلف نموذجا لمرض شحاذ العين(الشعيرة)، ويتم علاجه في شمال
إفريقيا بأخد سبعة حبات من الشعير وتعلق في كومة صغيرة من الحصى وسط الطريق .
ومن الظواهر الأخرى، استحضر المؤلف ظاهرة "أكركور" أي
ركام الأحجار بممر تيزي نمير بالأطلس الكبير جنوب مراكش سنة 1901م، وفسر تواجدها
بكثرة بالقرب من مزارات الأولياء، ووقف عند رجوم صغيرة تتواجد بالقرب من كهف إمين
تقاندوت الموجود بإحاحان جنوب الصويرة، فهدمها أو المساس بها يكون فألا سيئا، حيث
تنتشر في كل من سيدي شمهروش وسيدي حمدوش بمراكش.وترجع أصول هذه الظاهرة حسب المؤلف
إلى ممارسات العهود القديمة، حيث يعمد المسافرون لرمي الأحجار والأغصان في الفجاج
لنزع التعب، لأنها منبعا لخفة الروح، ليصل هذا الركام إلى تجمع لهذه الأحجار،
لتشكل مجالا لتجمع القوى الشريرة، ويندرج ضمن طقوس طرد الشر. وتحظى هذه الأحجار
بالاحترام والخوف والتقديس، فهي قوة مقدسة تسكن ركام الأحجار، وكما فصل المؤلف في
عقد الأغصان بالشجرة المقدسة، وكذلك في البركة المجسدة في الولي الصالح، الذي يحظى
بالقداسة والاحترام، وفسر ظاهرة البصق في الطعام والأفواه كأحد أنماط تنقل البركة
واستجلابا للخير.
أما الفصل العاشر، فكان موضوعه حول التضحية، واعتبرها المؤلف من
مظاهر التواصل مع المقدس، من خلال بحث الإنسان عن الوسطاء وناقلي المقدس من حجر
ونبات وحيوان، مبرزا رمزية الدم في الثقافة السحرية خصوصا لدى حمادشة المغرب
المختصون في حز الوجه بشكل بشع بنصول حديدية، فالدم في هذه الحالة حسب المؤلف
حاملة لقيمة مقدسة، ونجد في هذا الصدد الأضحية كوسيلة للدخول في اتصال مع القوى
الغيبية من أجل طرد الشر والألم بنقله إلى الحيوان، وتمارس غالبا عملية الذبح
بالقرب من ضريح ولي والمزارات الدينية، وسماها المؤلف بالتضحية بقربان لإقامة
علاقة بين المضحي والقوى الغيبية، وقسمها إدموند دوطي إلى التضحية بالطلب والكفارة
والتضحية التطهيرية أو لطلب العفو، التضحية العرافية، وهي طقوس للتواصل بين
الدنيوي والمقدس حسب المؤلف.
خصص المؤلف في الفصل الحادي عشر لموضوع أنقاض السحر القديم من
خلال الكرنفال، وقاربه بوجود عادات شعبية بالمغرب، التي ترتبط بمناسبات حفل
عاشوراء، ويتجسد في طقوس الأقنعة، من خلال محاكاة الحيوانات كالأسد والبعير، ولاحظ
إدموند دوطي إمتداد هذه الظاهرة بكل من الجزائر والمغرب، وتسمى في الثقافة الشعبية
بنزهة سرير اللامنصورة بمدينة ورقلة، حيث يبدأ الكرنفال بأقنعة وألبسة تنكرية من
خلال حمل دمية تمثل أسدا بمدينة بسكرة، كما لاحظ نفس الظاهرة بجنوب الصويرة قبيلة
إحاحان، إذ يرتدي الأهالي جلد تيس وعلى رأسه قرع به ثعبان وأشواك القنفذ وفي عنقه
عقد من أصداف الحلزون وتسمى بهرمة الكركاع/هرمة بوجلود، ويتم تشخيص هذا الحفل
بشخصيات تجسد محاكمة القاضي، وتقام غالبا في العيدين الصغير والكبير وعاشوراء.
وفسر المؤلف ظاهرة الكرنفال إنطلاقا من أعمال مانهاردت(Mannhardt) بألمانيا وفرايزر بإنجلترا، حيث أبرز
أنها تلطيف لاحتفالية أقدم، كان يتم فيها قتل كائن بشري لمساعدة الطبيعة على
استعادة دورتها، وهي طقوس لقتل الشيطان أو روح، وأعطى نماذج العروس أم الزرع
بنواحي طنجة خلال فترة الحصاد، وكذلك طقوس مماثلة بقبائل احاحان، وتتمثل في عجن
الخبز وتوضع فيه الزبدة والعسل، ويتم أكله جماعة ويسمى عرس العرمة/ركام الزرع،
ويترك مدة ثلاثة أيام بعد وضع كوم من التراب من الحقل الذي حصد منه الزرع في
الحقل، وسماه إدموند دوطي بالقربان الزراعي.
وفي الفصل الثاني عشر، فكك المؤلف مسألة أنقاض السحر القديم في
الأعياد الموسمية وطقوس الطبيعة، وفسر دلالات عيد إيناير بشمال إفريقيا الذي يستمر
ثلاثة أيام أو أكثر، ويشكل هذا العيد مناسبة لممارسة طقوس سحرية(رمي الفأل السئ
على الأخرين- ممارسة طقوس الطهارة وطلاء الحناء...)، وهي ممارسات من أجل سنة طيبة
كلها خير وتفاؤل حسب المؤلف. وفي سياق أخر، تطرق المؤلف لطقوس تالغنجا التي تقام
للاستسقاء من أجل سنة ممطرة وحصيلة زراعية حسنة، فهي أعياد زراعية تسعى إلى طرد
الأرواح الشريرة والتأثير الايجابي على النباتات وتطهير الجماعة من خلال طقوس
النار وعملية الطواف.
في الختام،شكل كتاب إدموند دوطي مدخلا للدراسات السوسيولوجية
والأنثروبولوجية لظاهرة السحر وعلاقتها بالدين بشمال إفريقيا، وأعاد من خلالها
تشكيل السحر البدائي مع سيادة الإسلام من خلال بعض الممارسات الشعبية بالمغرب
والجزائر، واستطاع إدموند دوطي التوغل في الكشف عن دلالات هذه الطقوس ومرجعياتها
في التاريخ القديم، معتمدا على الملاحظة بالمشاركة، حيث زار العديد من قبائل شمال
إفريقيا وعمل على رصد جل الطقوس السحرية المنتشرة، وأكد أن الإسلام السني حارب هذه
المعتقدات،لأنها منافية للدين، كما رجع المؤلف إلى المراجع العربية والإسلامية،
معتبرا أن السحر له مرجعيته مشرقية، فالكتاب عموما قارب ظاهرة السحر في هوامش شمال
إفريقيا وحواضرها الكبرى.محمد أبيهي-أستاذ التاريخ المعاصر/جامعة محمد الخامس

تعليقات الزوار