Header Ads

تاريخ زاوية سيدي بوزكري:

 

عرف المغرب منذ الحقبة الإسلامية ظهور عدة زوايا، اضطلعت بأدوار دينية واجتماعية، وحسمت في الأحداث التاريخية الكبرى،حيث ارتبطت بشكل وثيق بالرباطات الدينية خلال القرون الإسلامية الأولى، التي ظلت عبر التاريخ تقوم بوظيفة الجهاد والتوعية الدينية وتعليم القرآن الكريم والحديث النبوي الشريف في الحواضر الكبرى والقرى الهامشية، وذلك لصد التوغل البرتغالي لسواحل المغرب.

ففي هذا الصدد، تعتبر زاوية سيدي بوزكري من أهم المراكز الدينية التي تعود للحقبة المرينية، وقد ساهم غنى تاريخها في إشعاعها الديني والثقافي، فأصبحت محورا في المجتمع المحلي ورمزا لاستقامة الحياة الدينية والاجتماعية والاقتصادية للقبائل الحاحية، واضطلعت كذلك بالوظيفة التعليمية لأبناء المنطقة، وتزخر بتراث عمراني إسلامي محلي جسد اهتمام الإنسان الأمازيغي بالمنشآت الدينية،وهي من المؤسسات الدينية الصوفية بقبيلة اداويسارن،حيث ظلت مركزا للتوعية الدينية،ومصدرا للفصل في مختلف النزاعات القبلية،وسأحاول فيما يلي،رسم معالم الحضور التاريخي من خلال إبراز الموقع الجغرافي للزاوية،وعلاقتها بمحيطها المحلي والإقليمي منذ تأسيسها.

تقع زاوية سيدي بوزكري بقبيلة اداويسارن التي تنتمي إلى اتحادية قبائل احاحان، وهي إحدى بطون قبائل "امصمودن" ، وقد حددها ابن خلدون في مجموعة من القبائل. كان ظهور الزوايا بالأطلس الكبير الغربي قد خضع لظروف تاريخية كان أساسها تراث الصوفية الأوائل كالشاذلية والجازولية، وكذا ظروف مرحلة حكم الدولة المرينية، وقد ارتبطت الزاوية بتطور الظاهرة الصوفية المحلية كحركة دينية ساد فيها التيار الجزولي التي تفاعلت مع التحولات التي أحدثها الغزو الأيبيري لسواحل المغرب.

ساهم الغزو البرتغالي بالمنطقة في ظهور مزارات أولياء "البحر" التي ارتبط ظهورها بالطرق الصوفية الجازولية والركراكية، فنظرا لفراغ الدولة المركزية في مقاومة الاحتلال الأيبيري للمنطقة، ظهرت سلطة أولياء البحر على المستوى المحلي، فشيدوا مراكز بالقرب من السواحل لتنظيم المقاومة وتدبير شؤون القبائل، مما ساهم بشكل كبير في ارتباط قبائل الساحل الجنوبي لموكادور ب " أكرام البحر" الذي نسجت له الرواية الشفهية الحاحية العديد من الأساطير حيث اتخذ مصدرا للاستشفاء والخصوبة والوقاية من السحر، وهي طقوس اجتماعية ظلت عادات ملازمة للقبائل، كتحليق رؤوس الرضع وتنظيم المواسم البحرية بجانب هذه المزارات وهي عادات أمازيغية قديمة بالمنطقة، وتعتبر مواسم سيدي مكدول وسيدي كاوكي وسيدي أحمد السايح من أهم المواسم العروفة في المنطقة.

ومن المرجح أن يكون ظهور الزوايا بالأطلس الكبير الغربي مرتبط بالرباطات الدينية، التي تزعمها رجالات التصوف والفقهاء والعلماء خلال مرحلة الغزو البرتغالي لسواحل المنطقة، وذلك لتنظيم صفوف الحركة الجهادية من طرف الزوايا الدينية بالجنوب المغربي.

ومن هذا المنطلق، فقد أسس أبي زكرياء الحاحي زاويته بفرقة اداوكضل باداويسارن، وقدم من رباط تيط بأزمور التي عرفت بازدهار الحركة الصوفية والعلمية، وأنشأ قطبا للتصوف السني من أجل نشر تعاليم الدين الاسلامي في تيغزا باداويسارن، وأصبحت زاويته خلال القرن السابع الهجري ملتقى أهل العلم، فخلال هذه الحقبة أنشأ المرينيون العديد من المدارس والمساجد والمكتبات والمؤسسات العلمية التي لعبت دورا دينيا وحضاريا في منطقة الغرب الإسلامي، مما كان له الأثر في ظهور الزوايا والكتاتيب القرآنية بمنطقة الأطلس الكبير الغربي التي تأثرت بهذه التحولات الدينية والفكرية ما بين العصر المرابطي والعلوي.

تنسب الزاوية إلى مؤسسها الشيخ أبي زكرياء بن أبي عمرو عبد العزيز بن عبد الله بن يحيي الحاحي،الذي خص له ابن قنفذ القستنطيني وصفا كاملا،فقد عاصر أتباع زاوية سيدي بوزكري ووصف الحركة الصوفية والعلمية،حيث احتل الشيخ سيدي بوزكري مكانة روحية وصوفية بين القبائل الحاحية،وقد تزعم طائفة صوفية مشهورة في القرن السابع هجري سماها طائفة الحاحيين.

وينتمي أبي زكرياء الحاحي إلى أسرة آل أمغار المعروفة في تاريخ المغرب بالتصوف والكرامات التي أسست رباط تيط الذي نبغ فيه الصوفية والأولياء،وأول من دخل المغرب من هذه الأسرة عميدها الأول إسحاق بن إسماعيل أمغار جد الأمغاريين وأخواه أبو زكرياء يحي جد البوزكراويين من أهل احاحان وأبو يعقوب جد الشبوكيين.

عرفت المنطقة بتعاطي العلم منذ عهد الدولة المرابطية،وقد ساهمت المدرسة العلمية لزاوية سيدي بوزكري في نبوغ عدد وافر من الفقهاء والأدباء،وكما ظلت موطن إشعاع علمي وصوفي حيث استقبلت وفودا من الزوار والمريدين وطلاب العلم من مختلف المناطق،وقد ساهمت في نشر التعاليم الدينية عند غير القارئين بواسطة مجالس الذكر والمذاكرة التي كانت تنظم بالزاوية، واضطلعت كذلك بدور التكوين في العلوم اللغوية وعلوم القرآن والفقه والحديث وسائر العلوم الشرعية،بالإضافة إلى نشر حفظ القرآن الكريم،ولم تتوان في نشر علوم الدين لدى أبناء القبائل،وهي من أقدم المدارس التي جمعت بين العلم والقراآت والتصوف.

وترتبط ساكنة اداويسارن بالمدرسة العلمية العتيقة لسيدي بوزكري ارتباطا وثيقا كمجال لتعلم أبنائهم للاستفادة من العلوم الدينية،ويتجسد ذلك في احتفال الأمهات بتخرج أبنائهن عند استكمالهم حفظ القرآن الكريم،ويسمى هدا الاحتفال بتامغرا ن امحضارن أو عرس الطلبة حيث تكلف النساء بطهي بعض الأكلات المحلية الأمازيغية كتمرخفيت،وهي أكلة محلية عبارة عن كسكس تمزج باللوز والثمر،ويتم تقديمها في كل موسم دراسي لطلبة العلم المتفوقين.

تحتفل زاوية سيدي بوزكري بموسمها السنوي في أواخر شهر غشت من كل سنة،وهي مناسبة روحية تجسد ارتباط الفرق والقبائل بالشيخ الصوفي أبي زكرياء الحاحي،وكما تعمل على الإشراف على أمن الأسواق ورعايتها أثناء الموسم.

وقد ساهم قرب الزاوية من محور الطرق التجارية في ازدهار الحياة الاقتصادية،حيث ظهرت مجموعة من النزايل أو (نززلت) بالمنطقة التي لعبت دورا مهما في استراحة القوافل التجارية الآتية من عمق الصحراء والمتجهة شمالا،وتلزم على تجار القواقل بأداء رسوم وواجبات لضمان تأمينها، ففي هذا الصدد نجد عبر المحاور التجارية الرابطة بين أكادير وموكادور العديد من النزايل التي تستقبل القوافل القادمة من الصحراء أبرزها:نزالة بوشان بقبيلة اداوكرض،ونزالة اداوكيلول،ونزالة لوضا وامي أمسدناس.

وقد حظي تخطيط العمارة الدينية باهتمام مؤسس الزاوية وأتباعه،وأعطيت لها المكانة الخاصة على مستوى تشييد مرافقها العمرانية لتستجيب بذلك للدور الديني والاجتماعي ولوظيفتها داخل المجتمع المحلي،ومن الخصائص التي تميزها هو تكامل وظائف مرافقها،وكما وفر المجال الجغرافي مواد البناء كالحجارة والآجر التي استعلمت في بناء الجدران والأعمدة،أما الخشب فيتم استعماله في تشييد السقوف والدعائم.

كان لزاوية سيدي بوزكري صيت كبير بقبائل احاحان،فمنذ تأسيسها على يد العالم الجليل الشيخ أبي زكرياء الحاحي بدأت مدرستها العلمية في استقطاب وفودا من طلبة العلم لتلقي العلوم الدينية واللغوية والأدبية،حيث كان حضور الزاوية وازنا في المجتمع المحلي كمؤسسة ملازمة للحياة الدينية والاجتماعية والتعليمية لدى قبائل الأطلس الكبير الغربي،وكما أن إشعاعها الاقتصادي قد جعل من موسمها قبلة للتجار من مختلف المناطق بالجنوب المغربي.محمد أبيهي/أستاذ التاريخ المعاصر،جامعة محمد الخامس،الرباط













ليست هناك تعليقات