Header Ads

الإنسان والبحر:الرمز والمقدس في احتفالية موسم سيدي كاوكي

 

تحتل موكادور موقعا متميزا على طول الساحل الأطلنتي،الذي تمتد على طوله سلسلة جبال الأطلس الكبير الغربي الأطلنتي، وهي على شكل هضاب مطلة على السواحل التي ارتبط تكوينها الجيولوجي بدينامية الإرساب البحري الريحي الحديث الذي ضرب المنطقة منذ الأزمنة الجيولوجية القديمة، وهي عوامل جعلت المنطقة تتميز بمجالات ساحلية غنية من حيث خصائصها الجغرافية والطبيعية،وعرفت المنطقة أحداثا تاريخية الكبرى، نظرا للعلاقة الوطيدة بين الإنسان والمجال البحري، ونسج من خلالها الإنسان المحلي روايات تاريخية وأشعار أمازيغية، عكست دور المجال البحري في حياته اليومية.

عرفت موكادور العديد من الأحداث التاريخية الكبرى بحكم أهمية موقعها البحري، فخلال الفترة القديمة عرفت توافد القرطاجيين بجزيرة الصويرة القديمة التي اتخذها الملك الأمازيغي يوبا الثاني مركزا لصناعة صباغة الأرجوان، حيث دلت الحفريات التي أجريت بالجزيرة الكبرى للمدينة على مرور شعوب ينتمون لحضارات قديمة، ومن المرجح أن اسم "موكادور" الذي يطلقه الغربيون على اسم المدينة، قد أتى من الفنيقية كتحريف لكلمة "مكدول" التي تعني بالفنيقية الحصن أو البرج الحصين، فالتنقيب الذي أجري في الجزيرة أوضح بأن التجار الفنيقيين نظموا وأسسوا مرسى لهم بالمنطقة منذ القرن 7ق.م، حيث تركوا آثارا لصناعة صباغة الأرجوان واستعمال المعادن،كما علموا الساكنة المحلية مبادئ هذه الصناعات، وخلال القرن 15م عرفت استيطان الأسبان والبرتغال في القصبات المطلة على البحر والموانئ البحرية كميناء تفتنة التاريخي،الذي لعب دورا تاريخيا في مقاومة قبائل حاحا وسوس للاحتلال البرتغالي.

يعتبر التاريخ البحري من بين أهم تخصصات البحث التاريخي، وأحد المواضيع التي لم تحظ بعد بكامل اهتمام دارسي التاريخ المغربي، ويرتبط هذا الحقل من الدراسات، ارتباطا وثيقا بالتاريخ السياسي والديني والاجتماعي للمناطق المحاذية لهذا المجال، خاصة المجالات القبلية المعروفة بديناميتها وحركيتها لصد أخطار الغزو الأوروبي لسواحل الجنوب المغربي، كما يساهم التاريخ البحري في رصد التفاعلات بين الإنسان والبحر.

يكتسي الموروث الشفهي أهمية في دراسة التاريخ البحري، وذلك من خلال استثمار تيمانه في مقاربة الظواهر الاجتماعية والثقافية والذهنية لعلاقة الإنسان بالمجال البحري، يعني مفهوم أكرام بالأمازيغية الشريف أو قائد القبيلة ويكتسي هذا المفهوم بعدا دينيا صوفيا للدلالة على الأولياء.وتنتشر بكثرة هذه المزارات على طول سواحل قبائل احاحان والشياضمة، التي شكلت مركزا لانطلاق مقاومة الاحتلال البرتغالي بزعامة أولياء وصلحاء القبائل،نجد مثلا:موسم سيدي مكدول وسيدي كاوكي وسيدي حماد السايح.... ويعتبر أولياء البحر أو اكرامن، من أبرز هذه الظواهر التي لها أبعاد دينية صوفية،وقد ارتبط ظهورها بالطرق الصوفية كالجازولية والركراكية خلال العصر الحديث، ونظرا لفراغ دولة المركز في مقاومة الاحتلال الأيبيري للمنطقة، فقد اضطلع أولياء البحر بهذه المهمة، فشيدوا مزارات ومراكز بحرية بالقرب من السواحل، من أجل تنظيم المقاومة وتدبير شؤون القبائل، وساهم بشكل كبير في ارتباط قبائل الساحل الجنوبي لموكادور ب " أكرام البحر"،الذي نسجت له الرواية الشفهية العديد من الأساطير، واتخذ مصدرا للاستشفاء والخصوبة والوقاية من السحر، وتلازمه العديد من الطقوس والظواهر الاجتماعية كانتشار المواسم البحرية بجانب مزارات أولياء البحر، ويحظى موسم سيدي كاوكي بقبيلة اداوكرض باهتمام القبائل الحاحية، وتزوره الأهالي قبيل حلول فصل الصيف، وتقام طقوس دينية داخل الزاوية المطلة على البحر، بينما تنظم الأسر طقوس تحليق شعر الرضع، وترتبط دلالته حسب الرواية الشفهية بحمايتهم من الأمراض، ولا تفوت الفرصة لتنظيم عروض الفروسية على شرف الأهالي، وهي مناسبة التقاء وتجمع للقبائل الحاحية خصوصا المطلة على الشريط الساحلي.وينتمي هذا الموقع التاريخي إلى جماعة سيدي كاوكي جنوب الصويرة، والمشرفة على شاطئ المحيط الأطلسي، وتعد من المناطق ذات الجذب السياحي بإقليم الصويرة،لما تزخر به من مميزات خصوصا رياضة الألواح الشراعية المرتبطة بدينامية سرعة تيار الكناري الذي يمر من شاطئ هذه الجماعة، وتنتمي هذه الجماعة إلى قبيلة إداوكرض العروفة بمعالمها التاريخية كمعمل قصب السكر،والموقع البيئي الطبيعي كاب سيم المعروف على الصعيد الدولي،بالإضافة إلى احتضان تراب الجماعة لأكبر حقول إنتاج الطاقة الريحية بالمغرب(60 ميغاوات). إن تأهيل هذا الموقع السياحي رهين بتظافر جهود جميع فعاليات جماعة سيدي كاوكي، من أجل استثمار مؤهلات هذا الشاطئ الساحلي في التنمية السياحية، والارتكاز على الرمزية التاريخية لهذا الموسم كلبنة للتمية المحلية. محمد أبيهي/أستاذ التاريخ المعاصر،جامعة محمد الخامس،الرباط


ليست هناك تعليقات